أنا ومِنْ بعدي الطّوفان
6276

المقدِّمة

في كل عصر وفي كل أمّة وشعب، يظهر من يظن نفسه فوق التَّاريخ، ويعتقد أنَّه وحده القادر على قيادة شعبه، وأنَّ البلاد لن تستقيم إلَّا بوجوده. هؤلاء الحكّام لا يرون في الأوطان إلَّا ممتلكات خاصّة، ولا يرون في الشّعوب إلَّا أتباعًا ينبغي أن يسيروا خلفهم بلا نقاش. هم من يرفعون شعار (أنا ومن بعدي الطّوفان)، معتقدين أنَّ غيابهم يعني الخراب، وأنَّ أيّ محاولة لاستبدالهم ليست إلَّا بداية للفوضى.

لكن هل حقًّا تنهار الأوطان بمجرّد زوال حاكم؟ هل الشّعوب عاجزة عن حكم نفسها إلَّا بوجود الفرد الذي يفرض وصايته عليها؟ أم أنَّ هذا التصوّر ليس سوى وهمٍ زرعه الاستبداد ليبقى، وأقنع به الشّعوب حتى تتخلّى عن حقّها في تقرير مصيرها؟

إذا كان لكل طاغية أيديولوجيَّة تحكم منطقه، فإنَّ (أنا ومن بعدي الطّوفان) تلخّص فلسفة الاستبداد بأكملها. إنَّها ليست مجرّد مقولة، بل هي عقيدة مترسّخة في عقول الطّغاة عبر التَّاريخ، تجعلهم يؤمنون بأنَّهم وحدهم القادرون على حماية البلاد، وأنَّ أيّ تغيير يعني السّقوط في المجهول. هذه العقليَّة لا تُعبّر عن مجرّد أنانيَّة، بل عن رؤية استبداديَّة تجعل من الحاكم محور الكون، وتجعل من الشّعوب مجرّد كائنات هامشيَّة لا يُعترف لها بحقّ في التفكير أو القرار.

لكن الطّغاة لا يكتفون بتصديق هذه الفكرة، بل يعملون على غرسها في أذهان شعوبهم عبر أدوات السُّلطة المختلفة، من الإعلام إلى التعليم، ومن الدين إلى الاقتصاد؛ فيتم تصويرهم كقادة استثنائيين، وكمنقذين لا بديل لهم، في حين يُشيطن أيّ معارض أو مفكّر مختلف، ويُتهم بالسّعي إلى نشر الفوضى أو هدم الاستقرار.

المفارقة الكبرى في الاستبداد أنَّه هو الذي يخلق المشاكل، ثم يقدّم نفسه على أنَّه الحل وأنَّه المنقذ؛ فهو الذي يضعف مؤسّسات الدّولة، ثم يقول إنَّه وحده القادر على إدارتها. ينشر الفساد ثم يدّعي أنَّه يحاربه. يقتل المعارضة، ثم يزعم أنَّه لا بديل عنه، وعندما يُسأل عن خططه لمستقبل البلاد، لا يملك إلَّا إجابة واحدة: (أنا أو الخراب).

هذه الاستراتيجيَّة ليست جديدة، بل استخدمها الطّغاة عبر العصور. فرعون مصر قال لقومه: (ما أريكم إلَّا ما أرى وما أهديكم إلَّا سبيل الرّشاد)، وموسوليني اعتبر نفسه روح الأمَّة الإيطاليَّة، وهتلر أقنع الألمان بأنَّ زواله يعني دمارهم، والقائمة تطول. لكن في كلِّ مرّة، أثبت التَّاريخ أنَّ الشّعوب لا تفنى برحيل الطّغاة، بل تتنفس، وتنهض، وتعيد بناء نفسها على أسس أكثر عدلًا وحريَّة.

والسّؤال الذي ينبغي أن يطر للبحث والتقصّي: هل الطّوفان الحقيقي غضب الشّعوب إذا ثار أم سياط المستبدّين؟

حين يهدد المستبدّ شعبه بالطّوفان، فهو يعتقد أنَّ الشّعب سيظل خائفًا، ولن يجرؤ على التغيير. لكنَّه ينسى أنَّ الطّوفان ليس مجرّد تهديد، بل هو ظاهرة تاريخيَّة تحدث عندما يتراكم الظّلم إلى درجة لا يمكن احتمالها. الطّوفان الذي يغرق المستبدّ ليس نتيجة رحيله، بل نتيجة بقائه الطويل في السُّلطة، حتى تتحوّل البلاد إلى بركان لا يمكن إخماده.

التَّاريخ مليء بأمثلة الشّعوب التي أطاحت بمستبديها، لا لأنَّها أرادت الفوضى، بل لأنَّها أرادت حياة كريمة؛ فالثّورة الفرنسيَّة، والثّورة الروسيَّة، وسقوط الديكتاتوريَّات في أمريكا اللاتينيَّة، والرّبيع العربي كلها شواهد على أنَّ الشّعوب حين تتحرّك، فإنَّها قادرة على تغيير مسارها، مهما بدا الطّريق صعبًا.

لكن السؤال الأهم: هل ينبغي على الشّعوب أن تنتظر حتى تغرق في الظّلم كي تتحرّك؟ أم أنَّ الوعي يمكن أن يكون طريقًا بديلًا، يمنع الطّغيان من الترسّخ، قبل أن يصبح اجتثاثه مكلفًا؟

هذا الكتاب ليس مجرّد تحليل نظري للاستبداد، بل هو محاولة لفهم كيف يعمل المستبدّ، وكيف يصنع أدواته، وكيف يمكن تفكيكها. سنناقش:

ـ كيف ينشأ الاستبداد؟ وكيف يتحوّل الحاكم إلى دكتاتور؟ وما العوامل التي تجعله يعتقد أنَّه وحده القادر على إدارة الدّولة؟

ـ كيف يُبرّر المستبدّ وجوده؟ وكيف يستخدم الإعلام، والتعليم، والدين، والأمن، لترسيخ سلطته، وجعل النَّاس يصدّقون أنَّه لا بديل له؟

ـ لماذا يخاف النَّاس من التغيير؟ وكيف يتم ترويض الشّعوب لتقبل الظّلم، ولماذا تخشى التغيير رغم معاناتها؟

ـ كيف تسقط الأنظمة الاستبداديَّة؟ وهل يمكن للشّعوب أن تتخلّص من الطّغاة دون فوضى؟ وما الطّرق التي أثبتت نجاحها تاريخيًّا؟

ـ ماذا بعد سقوط المستبدّون؟ ولماذا تفشل بعض الثّورات، وتنجح أخرى؟ وكيف يمكن ضمان عدم تكرار الاستبداد بعد الإطاحة به؟

مقولة: (أنا ومن بعدي الطّوفان) ليست مجرّد مقولة، بل هي مرآة تعكس طبيعة الاستبداد، وخِداعهِ، وخوفه الدّائم من الشّعب. الطّغاة يعتقدون أنَّهم خالدون، وأنَّ الشّعوب لن تستطيع العيش بدونهم، لكن الحقيقة أنَّ الشّعوب دائمًا تجد طريقها، والطّغاة دائمًا يرحلون.

لكن التَّاريخ لا يتغيّر وحده، بل يتغيّر حين تدرك الشّعوب حقيقتها، وحين ترفض أن تكون مجرّد أدوات في يد الطّغاة. الحريَّة ليست منحة تُمنح، بل هي حقّ يُنتزع. والمستقبل لا يُكتب بالانتظار، بل يُرسم بالفعل والوعي.

إن كنت تعتقد أنَّ الطّغاة هم من يحكمون المصير، فهذا الكتاب لك. وإن كنت تؤمن بأنَّ الشّعوب هي التي تصنع تاريخها، فهذا الكتاب لك أيضًا. لأنَّه في النِّهاية، لا أحد فوق الوطن، ولا أحد أبقى من الحريَّة.

أ د. عقيل حسين عقيل

2025م